الكثير يعتقد أن التاريخ مجرد سر وقصص لأشخاص وقبائل ومجموعات
تتصارع من أجل البقاء ، وتروي حكايات بطولات درات برحاها فوق هذه
الأرض في زمن وعصر مـــا ، وقــام بنقــــله الرحالة في كتابات كثيرة
ومتنوعة ملئــت الدنيا بقصصها الصــــادقة تأرة والكـــاذبة تأرة أخـــري
عبر نسج الفكر والعقل والخيال معاً لطرح فكرة معينـــة يتناقلها الناس
من زمن إلي أزمان ومن جيل إلي أجيــال ، لان أهم ملامح علم تدوين
التـــاريخ وتفسيره يميل إلي البحث وإيجــاد تطابق تام مع أحداث الماضي.
أن مشــكلة بدء التـــاريخ ملازمة دائما لحياة الإنسان بــرغم الأفكــار
العلمية والمعرفة الإنسانية في هذه الأيام قد غير من نظرتنا إلي العالم
وبــدل بشكل مادي مفهوم التطور الخالق ، فان مفهوم الخالق والإعتقاد
الشائع بأن للعالم بداية قد فقد شـــيء من قدرتـه علي أثارة الخيال
لدي عامة الناس ، أما الإنسان البدائي كان يهتم بمعرفة الأصول بقدر
مــا تــؤثـر هذة المعرفة علي حاجاته الدائمة وقلقــه ومــلاحظــــاته
ملاحظة سيطرة الإنسان علي محيطه في تــــزايـــد وأن دائـــــــرة
قال فليســــوف صينــي ( أن الناس حين يتكاثر لديهم الســـــلاح فــان
الظــلام والشــــر يعمـــان علي الأســــرة والـــدولـة ، كـل مــا زادت
المهـارة لدي الناس أصبحت إخـــتراعاتهــم أشـــــــــــد ) ، وعلي كل فقد
تأخرنا كثيراً حتي بات من المعتذر علينا تــرك الذهب في الجبـــــال
واللآلـــي في البحــار والمعــــادن داخــــل الأرض .
أن معنــــي التــاريخ بالنسبة لهـــذه الفلسفة موجودة في الحوادث
كما تجري والناس ينالــون ما يستحقون والغضــب والحســـد همــا
الجحيم الذي يحرق الناس أنفسهم فيه ، أما الشخص الطيب فهــو
الذي يسلط نور العقل علي رغابته ويستمتع بذلك حتي أنه لينســي
جوعه ومشاعره ، والحكيم الذي يؤدي واجبه مهمـــا كان وصفـــــه ،
إنما يشارك في الإنسجام الأخلاقي بين القوة والعالم ، أما بشــأن
التاريخ فان ( الزمن يترك آثـــاره لنتخـــذهــا عظــــة لنــــا ) ومع ذلك
فيجب أن نقبل الأمر الواقع بأن التاريخ هو كل ما نملك والحياة هـــي
الحياة في هذا العالم فقط ولم يتكلم الفلاسفة إلا عمـــا يعـــرفـــونه
خوفاً من أن يبتــــدعــوا عن العالم الأخر شـــيء وراء معــــــرفتهـــم .
أما وجهـــة نظـــر المســــلمين للتاريخ فأنها نظرة بناءة وثاقبة وحكيمة
أكثر مما سبق لكونها إعتقاد وعقيدة وقرآن وسنـــة راسخة فـــــي
الــوجــــدان وتطابــق الواقع تاماً وأن كل شــــيء بأرادة الله عز وجل
والإيمان بالحسنة والسيئة والثواب والعقاب والجنة والنار والعمل والعبادة
ومن يعصي أوامر الله له جنهم والعياذ بالله ، وأن صفات المؤمن الصبر
والقناعة والدعاء والرضا بحكم الله وقدره .
التاريخ يصبح أكثر جمالاً عندما نعي ونفهم وندرك حسناته ونبتعد عن
سيئاته ونفكر بالعقل قبل القلب وبالمنطق قبل الإرتجاليــة وبالحكمة
قبل العنف وبالصبر قبـل اليـــأس في أطـــار الشموليــة والعقلانيـــة
لنأخذ العبرة والتجربة من صفحات التاريخ والدروس من السابقين ،
المجتمع أو الحضارة هــو الـــوجه الأخر لعمـــلة التاريخ فــلا حضارة
بدون تاريخ ولا مجتمع بلا تاريخ ولا سيادة أو ريــادة بدون تاريخ ، أذن
ندرك الأن أن التاريخ هــي اللبنـــة الأولــي والجذور الثابتة في أعماق
الأرض ويمتد مع مرور الأيام لتتشعب وتكـــون أكثــــر قـــــوة وتماسك
من ذي قبل .
لــــــو نظـــــرنا إلــي التـــاريــخ النـــــوبـــي في عجالة نعرف مدي عراقة
ومتانة التاريخ النوبي والمضـــيء برغم مرور ألاف السنين والقراءة عبر
صفحاته نجد عظمة هؤلاء الرجال العظماء الذين صـــاغـــوا كتابة التاريخ
بحروف من ذهب ودون سطــــو أو قتـــل أو إستيـــلاء عشقوا الأرض
والأصل والكيان ورسمــــوا مجد وثراث عريق ونثروا بذور ســـــــــــــلام
صوب شــــريان وادي النيـــل ، ودافعــــوا عن أرضهـــم بقوة وجسارة
وصــــبر أذهــــلوا كل الذين مروا بالقرب من أرضهـــــم بالطيبـــة والكرم
والبساطة والسماحة والفطــــرة التي ما زالت موجودة إلي هذا الزمان.
رحال النوبة جمال القرشاوي
.
.
الاربعاء, 18 محرم, 1430
عقـــله تتســع
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








